طاولة الزهر بعيون معاصرة

الأحد 08 شباط 2026

طاولة الزهر بعيون معاصرة

  .تُدرج طاولة الزهر كمرجعية عربية وفكرية، وتفتح النص على بعد أوسع من الابتكار والتجربة الإنسانية

 ليست لعبة الطاولة مجرّد تسلية عابرة في الثقافة العربية، بل ممارسة يومية تختزن مفاهيم أعمق من الوقت والصدفة والمهارة.

في المقاهي والبيوت، في المدن والقرى، شكّلت طاولة الزهر مساحة يتقاطع فيها الحساب مع الحدس، والتخطيط مع المفاجأة، تمامًا كما في الحياة نفسها. فهي لعبة محكومة بقواعد صارمة، لكن مسارها يبقى مفتوحًا على احتمالات لا يمكن ضبطها بالكامل.

من هذا المعنى تحديدًا، يمكن قراءة مشروع Another Kingdom، الذي صمّمه الفنان تاراس يوم، كإعادة صياغة معاصرة للمنطق ذاته الذي تقوم عليه طاولة الزهر المعروفة عربيًا.

فالرقعة ليست سطحًا للعب فقط، بل بنية بصرية تُجسّد إيقاع الحركة، فيما يبقى النرد عنصرًا حاسمًا يعيد توزيع السيطرة في كل جولة، ويكسر وهم التحكم المطلق.

ما يقدّمه Another Kingdom ليس لعبة جديدة بقدر ما هو تأمّل بصري ومادي في لعبة قديمة.

الأقراص النحتية، التي تتحرّك وفق مسارات محسوبة ثم تنقلب مصائرها مع رمية نرد، تُعيد إلى الذاكرة مشاهد طاولة الزهر العربية: لاعب يقرأ خصمه، يحسب النقلات، ثم يبتسم أو يغيّر جلسته مع ظهور الرقم غير المتوقع.

وفي رفع الطاولة إلى مستوى قطعة تصميم مستقلة، عبر حامل معدني خاص، ينتقل اللعب من الفعل اليومي إلى الفضاء الفني، من الطاولة كممارسة اجتماعية إلى الطاولة ككائن بصري يحمل ذاكرة اللعب نفسها.

هنا، لا تُلغى الوظيفة، بل تُعاد صياغتها، ليصبح اللعب جزءًا من المشهد الداخلي، لا مجرد نشاط عابر. بهذا المعنى، يلتقي Another Kingdom مع طاولة الزهر العربية عند نقطة جوهرية: ثنائية النظام والصدفة.

لعبة تُعلّم أن الإتقان لا يُلغي المفاجأة، وأن العشوائية لا تُلغي الذكاء، وهي ثنائية لا تحكم اللعب فقط، بل تحكم التجربة الإنسانية بأكملها