السيارات الكهربائية بين التمني والبني التحتية

الجمعة 06 شباط 2026

السيارات الكهربائية بين التمني والبني التحتية

لم يعد التحوّل نحو السيارات الكهربائية مجرّد خيار بيئي أو ترفٍ تقني، بل أصبح مساراً عالمياً

 يفرض الاعتماد على السيارات الكهربائية تشريعات صارمة، واستثمارات ضخمة، وتغيّر في سلوك المستهلكين. غير أنّ هذا التحوّل، حين يصل إلى الشرق الأوسط، يصطدم بسؤال جوهري:
هل المنطقة مهيّأة فعلاً للانتقال من الوقود التقليدي إلى الكهرباء؟

عالم يتغيّر بسرعة… ومنطقة تتأنّى

في أوروبا والصين والولايات المتحدة، تتقدّم السيارات الكهربائية بخطى ثابتة، مدفوعة بحوافز ضريبية، وبنية تحتية متنامية، واستراتيجية واضحة للحد من الانبعاثات. أما في الشرق الأوسط، فالصورة أكثر تعقيداً.
المنطقة التي بُني جزء كبير من اقتصادها على النفط تجد نفسها أمام مفارقة: كيف تتبنّى تكنولوجيا تهدّد نموذجها الاقتصادي التقليدي، من دون أن تُربك استقرارها المالي؟

الخليج: انتقال محسوب لا قفزة مفاجئة

في دول الخليج، يبدو المشهد أكثر تنظيماً. الإمارات والسعودية وقطر بدأت تستثمر بوضوح في البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، ضمن رؤى أشمل للتحوّل الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
مدن ذكية، محطات شحن على الطرق السريعة، وشراكات مع شركات عالمية… كلها مؤشرات على انتقال «مدروس» لا يُقصي النفط فوراً، بل يوازيه بخيارات جديدة.

لكن حتى هنا، تبقى السيارات الكهربائية محصورة نسبياً في الطبقات الميسورة، أو في أساطيل الشركات والمؤسسات الحكومية، بينما لا تزال السيارة العاملة بالوقود الخيار الأكثر شيوعاً.

المشرق العربي: الحلم يصطدم بالكهرباء

في دول مثل لبنان، الأردن، مصر، والعراق، تبدو المعادلة أكثر هشاشة.
السيارة الكهربائية تُغري بانخفاض كلفة التشغيل، لكنها في المقابل تحتاج إلى شرط أساسي مفقود: كهرباء مستقرة.

في لبنان مثلاً، حيث أزمة الطاقة بنيوية، تتحوّل السيارة الكهربائية من حلّ بيئي إلى تحدٍّ لوجستي. فكيف يمكن شحن سيارة في بلد لا تتوافر فيه الكهرباء إلا ساعات معدودة يومياً؟
هنا، تصبح السيارات الهجينة (Hybrid) خياراً انتقالياً أكثر واقعية، يجمع بين تقليل استهلاك الوقود وعدم الارتهان الكامل للشبكة الكهربائية.

البنية التحتية: الحلقة الأضعف

المشكلة الأساسية ليست في السيارة نفسها، بل في ما يحيط بها:شبكات كهرباء غير مؤهلة،غياب محطات شحن عامة،نقص في التشريعات والحوافز وغياب رؤية موحّدة للنقل المستدام

من دون هذه العناصر، تبقى السيارات الكهربائية مبادرات فردية أو مشاريع دعائية، لا سياسة نقل متكاملة.

العامل الثقافي: علاقة خاصة بالسيارة

في الشرق الأوسط، السيارة ليست مجرّد وسيلة نقل؛ هي رمز اجتماعي، وامتداد للهوية الفردية.
الصوت، القوة، السرعة، وحتى رائحة الوقود… عناصر شكّلت لعقود صورة «السيارة الحقيقية» في المخيال الشعبي.
السيارة الكهربائية، بصمتها وهدوئها، تتطلّب تحوّلاً ثقافياً لا يقلّ أهمية عن التحوّل التقني.

الذكاء الاصطناعي والقيادة: المستقبل يطرق الباب

إلى جانب الكهرباء، تدخل المنطقة تدريجياً عصر السيارات الذكية: أنظمة مساعدة، اتصال دائم، وربما مستقبلاً قيادة ذاتية.
لكن مرة جديدة، يطرح السؤال نفسه: هل الطرق، القوانين، وسلوك السائقين مهيّأة لهذا التحوّل؟

إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟

يبدو أنّ المنطقة لن تشهد قطيعة سريعة مع سيارات الوقود، بل مساراً انتقالياً طويلاً: توسّع تدريجي في السيارات الهجينة،اعتماد انتقائي للسيارات الكهربائية في المدن الكبرى واستمرار الوقود التقليدي في المدى المنظور

التحوّل قادم لا محالة، لكن سرعته ستبقى مرتبطة بعاملين حاسمين:  الإرادة السياسية، والاستثمار الجدي في البنية التحتية.